الشيخ محمد اليعقوبي

423

سيرة الأئمة الإثني عشر (ع)

الحال ، فأخبره بكل ما جرى بينه وبين عيسى عليه السلام وما كان من عشقه لابنته ، فعلم الملك أن الضيف هو عيسى عليه السلام ، فقال : قل لضيفك : يأتيني ويزوجك ابنتي ، فحضر عيسى عليه السلام وزوجها منه ، وبعث الملك ثيابا فاخرة إلى الغلام فألبسها إياه وجمع بينه وبين ابنته تلك الليلة ، فلما أصبح طلب الغلام وكلمه فوجده عاقلا فهما ذكيا ولم يكن للملك ولد غير هذه الابنة فجعل الغلام ولي عهده فلما كانت الليلة الثانية مات الملك فجأة وأجلسوا الغلام على سرير الملك وأطاعوه وسلموا إليه خزائنه ، فأتاه عيسى عليه السلام في اليوم الثالث ليودعه ، فقال الغلام : أيها الحكيم إن لك علي حقوقاً لا أقوم بشكر واحد منها لو بقيت أبد الدهر ، ولكن عرض في قلبي البارحة أمر لو لم تجبني عنه لا أنتفع بشيء مما حصلتها لي ، فقال : وما هو ؟ قال الغلام : إنك إذا قدرت على أن تنقلني من تلك الحالة الخسيسة إلى تلك الدرجة الرفيعة في يومين فلم لا تفعل هذا بنفسك ، وأراك في تلك الثياب وفي هذه الحالة فلما أحفى « 1 » في السؤال قال له عيسى عليه السلام : إن العالم بالله وبدار كرامته وثوابه والبصير بفناء الدنيا وخستها ودناءتها لا يرغب إلى هذا الملك الزائل وهذه الأمور الفانية ، وإن لنا في قربه تعالى ومعرفته ومحبته لذات روحانية لا نعد تلك اللذات الفانية عندها شيئاً ، فلما أخبره بعيوب الدنيا وآفاتها ونعيم الآخرة ودرجاتها قال له الغلام : فلي عليك حجة أخرى لم اخترت لنفسك ما هو أولى وأحرى وأوقعتني في هذه البلية الكبرى ؟ فقال له عيسى : إنما اخترت لك ذلك لأمتحنك في عقلك وذكائك ، وليكون لك الثواب في ترك هذه الأمور الميسرة لك أكثر وأوفى ، وتكون حجة على غيرك ، فترك الغلام

--> ( 1 ) أحفاه في المسألة : ألح عليه في المسألة : ( لسان العرب 250 : 3 ) .